ابن بطوطة

12

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

سوقها بحساب أربعة عشر رطلا عراقية بدرهم ، ودرهمهم ثلث النقرة ، ولقد بعث إليّ قاضيها حجّة الدين بقوصرة تمر يحملها الرجل على تكلّف ، فأردت بيعها فبيعت بتسعة دراهم أخذ الحمّال منها ثلثها عن أجرة حملها من المنزل إلى السوق ! ويصنع بها من التمر عسل يسمّى السّيلان « 40 » ، وهو طيّب كانّه الجلاب ، والبصرة ثلاث محلّات إحداها : محلّة هذيل ، وكبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الأثير من الكرماء الفضلاء ، أضافني وبعث اليّ بثياب ودراهم ، والمحلّة الثانية : محلّة بني حرام كبيرها السيّد الشريف مجد الدين موسى الحسنى ذو مكارم وفواضل أضافني وبعث اليّ التمر والسّيلان والدراهم ، والمحلّة الثالثة : محلّة العجم كبيرها جمال الدين بن اللّوكيّ « 41 » . وأهل البصرة لهم مكارم أخلاق وإيناس للغريب وقيام بحقّه فلا يستوحش فيما بينهم غريب ، وهم يصلّون الجمعة في مسجد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الذي ذكرته ، ثم يسدّ فلا يأتونه إلا في الجمعة . وهذا المسجد من أحسن المساجد ، وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يوتي بها من وادي السباع « 42 » ، وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان رضي الله عنه يقرأ فيه لمّا قتل « 43 » ، وأثر تغيّر الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم « 44 » .

--> ( 40 ) استعمال كلمة السّيلان ( أو السّيلان ) بمعنى عسل التمر لم نجد له أصلا ، هذا وتعتبر المنطقة من أغنى المناطق في انتاج التمور ، كانت تعطى قديما زهاء 180 نوعا واليوم نحو 98 . وقد عشت ردحا من الزّمان مع أنواعها المتعددة والمتنوّعة وأنا بالعراق - القوصرة : وعاء من قصب يجعل فيه التمر ونحوه . . . ( 41 ) يتحدث ابن حوقل عن أنهار البصرة فيذكر أنها عدّت أيام بلال بن أبي بردة ( ت 126 744 ) فزادت على مائة الف نهر وعشرين الف نهر ، تجري فيها الزوارق وكنت أنكر ما ذكر . . . حتى رأيت كثيرا من تلك البقاع فرأيت في مقدار رمية سهم عدة من الأنهار صغارا تجري في جميعها المسماريّات ( المخيطة بالمسامير - ذات ألواح ودسر ) ، ولكل نهر اسم ينسب به إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي ينصب منها أو ينصبّ ماؤه إليها . . . ! وفي تعليق لا حق عن المدينة قال المعلق : دخلتها سنة 537 1142 وقد خربت ولم يبق من آثارها إلا الأقل ، وطمست محالها فلم يبق منها إلا محالّ معلومة كالنحّاسين والقساميل وهذيل والمربد وقبر طلحة ، وقد بقي من محلة بيوت معدودة ، وباقي بيوتها إما خراب ، وأما غير مسكونة ، وجامعها باق في وسط الخراب كأنه سفينة في وسط بحر لجيّ . . . وسورها القديم قد خرب ، وبينه وبين ما قد بقي من العمارة مسافة بعيدة . . . وسبب خرابها ظلم الولاة والجور . . . " وقد تميزت مخطوطة تونس بذكر اللّولي بدل اللوكي ، وقد يكون معنى اللولي المشتغل باللؤلؤ . . . هذا وقد حفلت المخطوطة التونسية لابن بطوطة بطرّة مستقاة من شراح مقامات الحريري ومن الخريدة . . . ( 42 ) وادي السباع قريب يقع شمال الزبير على بعد ستة أميال منه غير بعيد عن محطة شعيبة . ( 43 ) من المعلوم أن سيدنا عثمان قتل بالمدينة وهو يتلو القرآن عام 35 656 ، هذا وتوجد عدة نسخ من مصاحف في ديار الإسلام تنسب لسيدنا عثمان على ما نعرف . ( 44 ) السورة 2 ، الآية 137 .